ابن بسام

116

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

بقية الحديث عن شؤون ابن ذي النون بطليطلة وإسلامها لظهيرة الطاغية أذفونش ، وما انطوى في ذلك من خبر ، والتف به من قبيح أثر قال ابن بسّام : وأخذ ابن ذي النّون أهل طليطلة لحين استقراره فيها بفكّ تلك المعاقل ، وأداء ما كان ضمن لأذفونش من الأموال / الجلائل ؛ فضرب مدبرهم بمقبلهم ، وولّى آخرهم كبر أوّلهم ، حتى طمع فقيرهم في غنيهم ، واجترأ ضعيفهم على قويّهم ، وأصبح الرجل منهم يرتاع من ظلّه ، ويلتفت وإنما هو بين أهله . وانكدر أذفونش على طليطلة ينتسف مرافقها ، ويقعد لجالية أهلها ثناياها ومضايقها ، يأسر ويقتل ، ويحرق ويمثّل ، وسما السّعر ، وتفاقم الأمر ، وأنكرت الموارد والمصادر ، وبلغت القلوب الحناجر . وكان من غريب ما اتّفق [ 75 ] وعجيب ما انتظم من ذلك واتسق ، أن البرّ كان على زعمهم يمكث عندهم أكثر من خمسين سنة لا يؤثّر فيه طول القدم ، ولا يخاف عليه آفة العدم ، ولم يرفع مدّة الفتنة من البيادر - على تعذّر بذره ، وضيق الحيلة عن محاولة شيء من أمره - إلّا وقد بدا البلى عليه ، وأسرعت الآفة إليه ، أمر من اللّه لم يكن له مردّ ، ولا منه بدّ . ولمّا شمل البلاء ، وفدحت البأساء ، وأتى على أكثر أهل طليطلة القتل والجلاء ، وقضى الطاغية أذفونش - قصمه اللّه - قضاءه من استباحة الحريم ، واستئصال الرّاحل والمقيم ، وإتلاف الموجود والمعدوم ، أسرى تحت الليل ، في قطعة غير وافرة من الخيل ، فنزل المنية المصوّرة التي كان المأمون يحشد إليها كلّ حسن ، ويباهي بها جنّة عدن ، ويقلّب الحوير [ 1 ] في جيّد بنيانها ، والإشادة بشأنها ، ظهرا لبطن ، فاتخذ عروشها مرابط لأفراسه ، وإيواناتها [ 2 ] ملاعب لأراذلته وأرجاسه . وهجم الشتاء فمنعه من ميرة تأتيه ، / أو مدد يوافيه ، فأقام نيّفا على شهرين لا يسيغ الشّراب ، ولا يملك المجيء ولا الذّهاب ، ليس له شوكة إلّا ظلّ لوائه ، ولا مدد إلّا ضعف من كان بإزائه . ولولا اهتبال ملوك الطوائف بإقامة مرافقه ، وإصغاؤهم إلى هدر شقاشقه ، لطار شعاعا ، وذهب ضياعا . وطفق أهل طليطلة يستصرخون من حولهم ، ويعملون في ذلك فعلهم وقولهم ، فيعكفون على طلل بائد ، ويضربون في حديد بارد . فلمّا نأى الشتاء بجانبه ، وخلّى بين كلّ ذاهب ومذاهبه ، سال بأهل طليطلة سيل لا يقوم له سهل ولا وعر ، وطلع عليهم ليل لا يلوح لهم فيه صبح ولا فجر . واضطرّ من أخطأته الحوادث ، وتخطّته تلك الخطوب

--> [ 1 ] ص : الجور . [ 2 ] ص : وإيوانتها .